أثر مخالطة المبتدعة والمتكلمين؛ أبو ذر الهروي أنموذجا..!

<
70
0

أثر مخالطة المبتدعة والمتكلمين؛ أبو ذر الهروي أنموذجا..!

أبو ذر الهروي هو الإمام المحدّث الرحّال، عبد بن أحمد بن محمد الهروي المالكي، يُكنّى أبا ذر، ومن أشهر رواة «صحيح البخاري» بالمغرب والأندلس، ولد بهراة سنة نحو 355هـ، ورحل في طلب العلم إلى العراق والحجاز والشام، وأخذ عن كبار المحدثين، وكان له عناية عظيمة بالحديث وروايته، حتى صار من أوثق الناس في رواية «صحيح البخاري»، وتوفي سنة 434هـ.

ومن أبرز شيوخه:

(الدارقطني)، والدارقطني كان بينه وبين أبو بكر الباقلاني مودة وتعظيم، وقد أثنى عليه من جهة ذكائه ونصرته للإسلام على أهل البدع المخالفين، حتى نُقل عنه قوله المشهور في الباقلاني: “ما رُئي مثلُه في المتكلمين”. وهذا من أسباب وثوق الهروي بالباقلاني وقد ذكر الذهبي ونحوه أن الدارقطني كان فيه شيء من الميل إلى التأويل في بعض المواضع، لكنه في الجملة أقرب إلى أهل الحديث من متأخري الأشاعرة. (الحاكم النيسابوري (الأصيلي). وكان الهروي في أول أمره على طريقة أهل الحديث، ثم تأثر بعلم الكلام والأشعرية أثناء إقامته ببغداد ومخالطته للمبتدعه ورحلته في المشرق.

كيف أخذ الأشعرية؟

ذكر أهل التراجم أن أبا ذر اجتمع ببعض شيوخ الأشاعرة، وأخذ عنهم الكلام، ومن أشهر من يُذكر في ذلك: أبو بكر الباقلاني وكان الباقلاني يومئذٍ من كبار أئمة الأشاعرة ومن أشهر من نشر مذهبهم بالعراق. فتأثر به أبو ذر، وأخذ عنه أصول التأويل والكلام. وقد أشار غير واحد من أهل العلم إلى هذا التأثر، حتى قال الذهبي في ترجمته ما معناه: “إن أبا ذر كان فيه ميل إلى مذهب الأشعري، وكان “يبالغ في تقريره.

سبب تأثره بالأشعرية يمكن تلخيص الأسباب في أمور:

1- مخالطة المتكلمين في بغداد، وبغداد في ذلك العصر كانت مركزًا لعلم الكلام والمناظرات وفيها انتشار كبير للأشعرية. 2- تعظيمه للباقلاني، والباقلاني كان ذا ذكاء وقوة في الجدل والمناظرة، فتأثر به كثير من الناس. 3- ظنه أن الكلام وسيلة لنصرة العقيدة، كثير ممن دخلوا علم الكلام دخلوا بقصد الرد على المعتزلة والفلاسفة، ثم تأثروا بأصول المتكلمين أنفسهم. 4- قلة انتشار كتب السلف في بعض الأقطار آنذاك، خاصة في بعض البيئات التي غلب عليها الجدل الكلامي.

كيف نشر الأشعرية؟

كان لأبي ذر أثر كبير في نقل الأشعرية إلى المغرب والأندلس؛ لأنه كان إمامًا مشهورًا في الحديث، فاجتمع له: 1-مكانة علمية كبيرة. 2-عناية بصحيح البخاري. 3-كثرة التلاميذ والرحّالين. ومن أشهر من أخذ عنه: الخطيب البغدادي وجماعات من علماء المغرب والأندلس. فكان إذا درّس الحديث قرر معه أصول الأشعرية، فانتشر مذهبه بين المالكية في المغرب والأندلس، حتى صار للأشعرية نفوذ واسع هناك. ولهذا يذكر المؤرخون أن: انتشار المذهب الأشعري في المغرب والأندلس كان من أسبابه: نفوذ .الدولة والمدارس النظامية لاحقًا، وتأثير بعض كبار المحدثين كأبي ذر الهرو

موقف أهل السنة في أبي ذر الهروي

أهل السنة يثنون على أبي ذر في الحديث والرواية والإمامة، لكنهم يذكرون ما وقع فيه من التأثر بالكلام والأشعرية. ولهذا تجد مثل: الإمام الذهبي والامام ابن تيمية يفرقون بين: فضله في الحديث والرواية، وبين خطئه في مسائل الصفات والكلام. وقد كان كثير من العلماء يقولون: إن الخطأ لا يُسقط فضل العالم، لكن لا يُتبع على خطئه ولهذا يذكر أهل العلم أن بعض المنتسبين للحديث اغتروا بالباقلاني بسبب: قوة ذكائه ومناظرته. وثناء بعض الأئمة عليه في باب الجدل والدفع عن الإسلام. مع أنه بقي على أصول كلامية خالفه فيها أئمة السلف. ومما ينبغي التنبه له: أن ثناء العلماء بعضهم على بعض لا يعني الموافقة المطلقة في كل الأصول، فقد يثني العالم على آخر: لعلمه، أو ذكائه، أو نصرته في باب معيّن، مع وجود مخالفة له في مسائل أخرى. ولهذا فإن الدارقطني نفسه تُنقل عنه آثار في إثبات الصفات على طريقة أهل الحديث، بخلاف طريقة المتكلمين في التأويل.

🖊️ أ. د. عبد السلام بن سالم السحيمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

0:00
0:00